ساحة أكبر من العالم

أحيانا
تبدأ الأفكار الكبيرة
من أماكن صغيرة جدا.
من مطبخ.
من رائحة بصل يتكرمل في زيت الزيتون.
ومن سؤال يسأله ابن في الثالثة عشرة
بينما يغسل الخس في المغسلة.
اليوم
كان اليوم الثاني والعشرون من رمضان.
وفي مثل هذا الوقت من الشهر
تصل كل أم تقريبا إلى المرحلة ذاتها:
تلك التي يصبح فيها السؤال اليومي
«ماذا سنطبخ اليوم؟»
أثقل قليلا من الصيام نفسه.
ليس تعب الجوع.
بل تعب التفكير.
ثلاثة أسابيع من المطبخ
كفيلة بأن تجعل حتى أكثر النساء حبا للطعام
تشعر أن الأفكار بدأت تنفد.
تعب هادئ
لا يأتي من المعدة،
بل من كثرة القرارات الصغيرة.
نظرت إلى الساعة.
بقي وقت قليل على الإفطار.
فاخترت الطريق الأبسط.
مجدرة.
لكن المجدرة عندي
ليست بالأرز.
أنا أصنعها بالبرغل.
ربما لأنها أقرب قليلا إلى طعم الأرض،
وأخف بعد يوم طويل من الصيام.
والغريب أن هذا الطبق البسيط
هو تقريبا الأكلة الوحيدة
التي يجتمع البيت كله على حبها.
فيها البروتين الذي يحتاجه الكبار.
ويحبها الصغار
لأن طعمها ببساطة… طيب.
أما أنا
فلدي علاقة خاصة مع المجدرة.
لأنني شبه نباتية في معظم الأيام.
وهذه ربما أكثر أكلة
أعود إليها دائما.
ليس لأنها صحية فقط.
بل لأنها
صادقة.
عدس… برغل… وبصل.
ثلاثة أشياء بسيطة
لكنها تكفي أحيانا
لتجمع بيتا كاملا حول طاولة واحدة.
ناديت كريم.
ابني.
ثلاثة عشر عاما.
ولديه هواية غير متوقعة قليلا لصبي في هذا العمر:
يحب الطبخ.
ليس الأكل فقط،
بل التفاصيل الصغيرة التي تسبقه.
غسل الخضرة.
ترتيب الطماطم في الصحن.
تقطيع الخيار بعناية
كأنه يصنع لوحة،
لا سلطة.
وقف عند المغسلة
يغسل الخس والجرجير
بينما كنت أقلب البصل في المقلاة.
وفي المطابخ دائما
تولد أحاديث
لا تولد في أي مكان آخر.
قال فجأة:
ماما… في ولد عندنا بالصف متنمر.
لم يكن في صوته خوف.
بل فضول.
ذلك الفضول الصادق
الذي يبدأ فيه المراهقون
بمحاولة فهم العالم.
قال إن هذا الولد
يستدعى إلى مكتب المدير كل يوم تقريبا.
كل يوم مشكلة.
مرة دفع طالبا.
مرة صرخ في الصف.
مرة كسر شيئا.
وفي كل مرة
يعد بأنه لن يفعلها ثانية.
ثم يعود
ويفعلها.
كأن الوعد نفسه
جزء من اللعبة.
قلت له:
ولماذا يفعل ذلك برأيك؟
هز كتفيه
وهو يضع الخضرة في الصحن.
وقال ببساطة:
يمكن لأنه حاسس حاله قوي.
بعض الجمل
يقولها المراهقون ببساطة شديدة.
لكنها
تفتح في الرأس
أبوابا لم تكن موجودة.
بينما كان البصل يذبل في المقلاة
خطر لي فجأة
كم يشبه هذا العالم
تلك القصة الصغيرة.
الدول أيضا
تتصرف أحيانا مثل ذلك الولد.
استعراض قوة.
صوت أعلى.
تهديدات.
كأن السياسة
لم تغادر ساحة المدرسة قط.
لكن الفرق
أن ساحة المدرسة
تنتهي بجرس الظهر.
أما ساحة العالم…
فجرسها
قد يكون صاروخا.
يقول المحللون
إن العالم يقف هذه الأيام
أمام ثلاثة أبواب.
الباب الأول:
أن تبقى النار
تحت الرماد.
ضربات هنا
وردود هناك.
توتر دائم
لكن دون حرب شاملة.
الباب الثاني:
أن يحدث الانزلاق
الذي يخشاه الجميع.
أن تتحول الضربات الصغيرة
إلى حرب واسعة
تتحرك فيها الجيوش
وتتسع فيها الجبهات.
أما الباب الثالث…
فهو الباب
الذي يخاف العالم
حتى من ذكر اسمه.
النووي.
مرة واحدة فقط
قد تكفي
ليتغير العالم كله.
وهناك باب آخر
لا يظهر كثيرا في التحليلات.
لكن التاريخ يعرفه جيدا.
أن يدخل الأقصى
في قلب الصراع.
وحين تدخل الأماكن المقدسة
في قلب الحروب
لا تبقى الحروب
مجرد حروب.
تصبح ذاكرة.
تصبح عقيدة.
تصبح نارا
يصعب على التاريخ نفسه
أن يطفئها.
كان كريم قد انتهى من السلطة.
جلس قليلا
ينظر إلى البصل وهو يذبل في الزيت.
ثم سألني فجأة:
ماما…
ليش المتنمر ما يتعلم؟
سؤال بسيط.
لكنني احتجت لحظة
قبل أن أجيب.
قلت له:
لأن المتنمر
يظن دائما
أن الساحة كلها له.
لكن المشكلة
أن المتنمر يكتشف الحقيقة دائما
متأخرا.
يكتشف
أن الساحة
لم تكن ساحة.
بل عالم.
وأن الصامتين
لم يكونوا خائفين دائما.
كانوا أحيانا
ينتظرون فقط.
ينتظرون اللحظة
التي يقررون فيها
أنهم لم يعودوا خائفين.
كانت المجدرة قد نضجت.
ورائحة البصل المقلي
ملأت البيت.
وضعت الطبق على الطاولة.
عدس… برغل… وبصل.
طبق بسيط
يجمع عائلة كاملة
حول مائدة واحدة.
وفي اللحظة ذاتها
فكرت
كم يبدو هذا العالم
غريبا أحيانا.
نحن هنا
نقلي البصل
ونجمع أبناءنا
حول طبق صادق.
وفي مكان آخر
هناك من لا يزال يظن
أن القوة
تعني أن يدفع الآخرين.
مثل ذلك الولد
الذي حدثني عنه كريم.
«حاسس حاله قويّ.»
لكن الفرق الوحيد
أن المتنمر في المدرسة
إذا أخطأ
يرسل
إلى مكتب المدير.
أما المتنمر في العالم
فإذا أخطأ
قد يرسل
العالم كله
إلى التاريخ.