كما قال النبي…

أنا هالة.
لا أعرف إن كنت أبحث عن شيء،
أم أنني فقط أمشي… بجسد يسوقه الحنين إلى ما لا اسم له.
كل ما أعرفه أنني، في ذلك اليوم،
دخلت محلا في كندا اسمه HomeSense.
كنت قد اشتريت منه أشياء كثيرة عبر السنوات،
لكن هذا الصحن بالذات…
كان يشبه لحظة نسيان جميلة لم أنتبه لها إلا بعد زمن.
HomeSense في كندا ليس متجرا فقط، بل وهم جميل من النظام…
كل ركن فيه يعرض نسخة مرتبة من حياة لم ننجح يوما في ترتيبها.
وساداته مكدسة كما لو أن أحدا حضرها لنوم لن يحدث،
وأكوابه مصطفة كأنها تنتظر ضيوفا لا يأتون، وسجاداته الصغيرة توهمك أن الأرض قد تصبح أدفأ،لو فقط اخترت اللون المناسب.
هو المكان الذي يحاول أن يبيعك “إحساس البيت”، لكن دون الفوضى، دون الوجع، دون الفقد
ودون الأصوات العالية.
واسمه؟ فيه أكثر مما يبدو.
HomeSense…
هل يعقل أن يكون للبيت إحساس؟
أكيد ممكن.
وأحيانا، كل ما نبحث عنه هو شيء صغير يجعل البيت يشعر بنا أيضا.
رأيته على رف منخفض، صحن فخاري بلون التركواز، لا يلمع،
لكنه بدا كما لو أن السكون اختار شكلا له…ثم تجسد فيه.
وعلى حافته، عصفوران صغيران من الطين، ملتصقان ببعض،
كأن الخلق نفسه قرر ألا يفصل بينهما، لا بمسافة، ولا بصمت، ولا حتى باحتمال فرقة.
ليس بينهما هواء، بل اتحاد صامت
يشبه كيف يكون الحب حين يرزق… لا يخير.
أخذته دون أن أفكر، كما تؤخذ المناديل حين يبكي القلب، أو كما تمد الكف نحو نجاة لم تسم بعد.
أعدته معي إلى البيت،ثم، كعادة الأشياء التي لا نعرف قيمتها في أوانها، وضعته حيث نضع ما لا نعرف كيف نحبه.
تحول الصحن إلى وعاء للكراكيب:
مشابك، مقص، دبابيس، شريط لاصق، زر ضايع من بلوزة قديمة…
نسخة جديدة من علبة شوكولاتة الماكينتوش التي كانت ماما تضعها فوق البراد.
كلما سألتها:
“ماما، في مقص أظافر؟”
كانت تجيب دون أن تلتفت: “بعلبة الماكينتوش.”
“دبوس؟ لزيق؟ زر ناقص؟”
“بعلبة الماكينتوش.”
كأن ماما كانت تحفظ البيت كله،
وتجمع الفوضى بحنان لا يشتكي.
كأنها كانت تقول لنا دون أن تقول:
كل ما لا مكان له… كان لها مكان.
وأنا أيضا خبأت قلبي في هذا الصحن، ولم أكن أعلم.
مرت سنوات، والصحن ساكن،
لا يشكو ولا يطلب ولا يعلن حضوره.
حتى جاء مساء، بلا طقوس، مددت يدي عليه كما تمد يد على كتف قديم…كنت تعلمين دوما أنه هناك، لكنك لم تجلسي إليه كما يجب.
غسلته،جففته،
ووضعته في منتصف الطاولة
بلا شمعة ولا بخور،
فقط… كأنني أفرغت له القلب.
جلست أمامه.
العصفوران ما زالا هناك.
قريبان بما يكفي ليقال:
هذا هو الحب، حين لا يحتاج شرحا.
ثم…
لم تأت كجملة،
ولا كفكرة.
بل كأن شيئا من الغيب وقف داخلي، ونطق باسم من أحبه الله… فأحب.
قالها النبي عليه الصلاة والسلام،
فارتجف قلبي… كأنها كتبت لي:
“إني رزقت حبها.”
قالها بقدسية من ذاق الحب على أنه من الله، لا من النفس، ولا من التعلق، ولا من ضعف.
قالها وكأن الحب… رزق مثل المال، مثل النوم، مثل الصحة و مثل النجاة.
قالها وكأنها جواب كل الأسئلة
التي لم نجد لها إجابة.
وفي تلك اللحظة،
فهمت أن الحب الحقيقي لا يصنع،
ولا يطال،ولا ينتزع، ولا يبرر.
الحب، حين يكون رزقا…
يجيء بصمت، يسكنك،ولا يطلب شيئا سوى أن يكونك.
وأن الحب…
حين يرزق، لا يدخل القلب كضيف،
بل كأنه كان فيه منذ الأزل، ينتظر أن تصمت كفاية… لتسمعه.
لا يقاس بحضوره، بل بطمأنينة كل شيء بعده، ولا يعرف لأنه جديد،
بل لأنه مألوف… كأنك عرفته قبلك.
ما كان وحيا، ولا حاجة، ولا انتظارا يراد له أن يجاب…
كان فقط حضورا خفيفا لله، في هيئة حب، لامس قلبي حين كنت أكثر اتزانا من أن أطلب، وأكثر امتلاء من أن أفتقد.
جاء كأنه يعرف الطريق إلي، لم يطرق بابا، بل جلس بهدوء على عتبة قلبي، وقال لي بصمته:
“أنا هنا، لأنك أخيرا… أصبحت أنت."