Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث
من أماكن صغيرة

العنطبيخ…

أعلنوا الليلة أن غدا هو أول أيام رمضان. في كندا، رمضان لا يعلن عن نفسه كما كان يفعل في عمان أو في الخليل. لا يتسلل مع رائحة الخبز الساخن، لا يأتي مع أصوات المسحراتية المتداخلة في الأزقة، لا يتجسد في طوابير الناس أمام المخابز، حيث يحمل كل منهم كيسا ورقيا تفوح منه رائحة الطابون. هنا، رمضان خبر عابر في نشرة تلفزيونية، توقيت رقمي يضاف إلى التطبيقات، محاولة لصنع ذاكرة في مكان لا ذاكرة له.

لكنني رغم كل شيء، لم أتركه يفلت. أطفالي يعرفونه كما عرفته، يصلون، يصومون، ينتظرون الأذان بلهفة لم تهتز رغم المسافات. ومع ذلك، هناك شيء ناقص، شيء لا يعوض، شيء يشبه تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تملأ أيامي في عمان، وتملأ أيام أبي في الخليل، قبل أن تأخذه الحياة إلى أماكن لم يكن يفكر فيها يوما.

وقفت في المطبخ، أجهز السفرة، أرتب الطاولة كما اعتادت أمي أن تفعل، لكنني كنت في مكانين في الوقت نفسه. أنا هنا، لكنني هناك أيضا.

في بيت أهلي في عمان، حيث كنت طفلة صغيرة، أراقب أمي وهي تملأ الطاولة بالأطباق، وأسمع أبي يضبط الراديو على موجة الأذان، كأنه يريد أن يمسك اللحظة قبل أن تفلت. وفي الخليل، قبل عقود طويلة، حيث كان أبي طفلا في الثامنة، يجلس في حوش بيت جدته فاطمة، ينتظر إفطارا لن يصومه، وحكاية لم يكن يدري أنها ستصل إلي يوما ما، بعد كل هذه السنوات، في قارة بعيدة، في زمن آخر.

رمضان أبي… طقس الحكايات التي لا تنتهي

لم يكن أبي، رحمه الله، رجلا صامتا عن طفولته، بل كان رمضان يحفز ذاكرته، يحرضها على البوح، كأن هذا الشهر يوقظ داخله طفلا لم يكبر أبدا. كان يحدثني عن الخليل، عن البيوت التي كانت تفتح أبوابها للجيران قبل الإفطار بدقائق، عن الأزقة التي كانت تضيق بالمارة، لكنها تتسع للحكايات. عن الأسواق التي لا تغلق إلا حين يتفق الجميع على أنهم اشتروا ما يكفي لطقوس هذا الشهر المبارك.

لكن أكثر ما كان يحكيه، وأكثر ما كان يحبه، هو حكاية فاطمة والعنطبيخ.

فاطمة… المرأة التي صامت عن أبي

كانت فاطمة سيدة لا تشبه النساء الأخريات. كانت تشبه الحكيمات في الحكايات القديمة، تلبس شالا أبيض كأنها تستعد للصعود إلى السماء، وثوبها المطرز يلامس الأرض كأنها تنتمي إليها بقدر ما تنتمي إلى السماء، وشعرها الأبيض ينسدل كخيوط الوقت التي لم تستطع أن تنتزع منها صلابتها. أما عيناها الزرقاوان، فقد كانت تحمل فيهما بحرا لم يعرفه أحد، بحرا يفيض بالحب، بالحكمة، وبالقدرة الغريبة على التحايل على الزمن.

كانت ترى في أبي أكثر من مجرد حفيد، كانت تراه طفلها الذي لم تنجبه، قطعة منها كان عليها أن تحميها حتى من الزمن. ولهذا، كانت ترفض أن تدعه يصوم. لم يكن في الثامنة صغيرا بما يكفي للإفطار، لكن في نظرها، كان طفلا لا يجب أن يذوق العطش.

“أنا بصوم عنك، يا فاروق.”

كان يضحك، ثم يأكل في الخفاء، ثم يمسح فمه بسرعة حتى لا يكشف أمره. وبعد العيد، كانت تصوم شهرا كاملا عنه، كأن الحب يمكنه أن يفاوض الله، وكأن الأمومة تستطيع أن تمنح الطفولة عمرا إضافيا.

العنطبيخ… الطعام الذي يطهى من الذكريات

لكن رمضان في بيت فاطمة لم يكن يعرف بالصيام وحده، بل برائحة العنبية التي كانت تفوح من مطبخها الحجري، والتي كانت تعلن عن طقس آخر من طقوس هذا الشهر.

العنطبيخ الخليلي ليس مجرد طبق. هو خلاصة الصيف المخزن في حبات العنب، الشمس التي اختزلت في قشوره، الزمن الذي قطف وسحق و وضع على نار هادئة حتى يستعيد طعمه الحقيقي.

كانت فاطمة تعرف هذا السر، كانت تردد كلما قلبت العنب في الطنجرة: “العنب طبيب لا يحتاج إلى دواء.” كانت تؤمن أن كل شيء ناضج ببطء يحمل سر العافية، وأن العنطبيخ لم يكن فقط مذاقا خالدا، بل كنزا من الفوائد.

“العنطبيخ يشفي الجسد كما تشفي الذكريات القلب”، كانت تقولها وهي تعبئه في “البراني”، ذلك الإناء الفخاري الذي يحفظ الزمن داخله. غني بالحديد، يعيد للجسد حيويته، يقوي القلب، ويساعد المعدة على الهضم كما لو أنه كتب ليكون دواء بقدر ما هو طعام.

لم يكن أبي يعلم هذه الأشياء يوم كان طفلا يجلس عند باب المطبخ يراقب العنب يتحول إلى ذهب بني، لكنه كان يشعر بها. كان يأكل العنطبيخ كأنه يأكل جزءا من تاريخه، كأنه يستعيد صحة لا تأتي من الصيدليات، بل من طقوس الجدات، من النار الهادئة، من الأسرار التي لا تكتب في الكتب، لكنها تورث في الأطباق.

العنطبيخ لم يكن طعاما.

كان درسا في الصبر.

كان ذاكرة تطهى ببطء.

كان رسالة عبر الأجيال، وصلت متأخرة، لكنها وصلت.

والمذاق؟

المذاق هو طعم الحياة نفسها، حين نمتلك الجرأة لننتظرها تنضج.

عبد الباسط عبد الصمد… الصوت الذي كان يسهر مع أبي

لكن رمضان في الخليل لم يكن يكتمل فقط بطقوسه وأطباقه، بل كان يمتزج بصوت صار جزءا من ذاكرة أبي، صوت عبد الباسط عبد الصمد.

كان هذا الرجل يأتي إلى الحرم الإبراهيمي ليقيم رمضان هناك، بصوته العذب الذي كان يملأ الأزقة والقلوب معا.

في كل ليلة، بعد الإفطار، كان الحرم يغمره صوته، يتردد في الشوارع كما لو كان قادما من السماء، يخترق جدران البيوت، فيتوقف الجميع عن الكلام، عن التفكير، عن كل شيء، كأنهم جميعا تحولوا إلى آذان تنصت.

وفي بيت جدي محمود، كان عبد الباسط عبد الصمد أكثر من مجرد قارئ، كان ضيفا مكرما، يجلس في الساحة الواسعة، يستمتع بطعام فاطمة، يتذوق العنطبيخ كأنه يتذوق ذاكرة الأرض، ثم يمضي لحظات الإفطار بين من أحبوه وأحبهم.

أما أبي، فلم يكن عبد الباسط عبد الصمد مجرد رجل يقرأ القرآن، بل كان جزءا من طفولته، من طقوسه الخاصة التي لا يمكن لرمضان أن يكون رمضانا دونها. كان لا ينام إلا على صوته، يغمض عينيه فيما الآيات تتردد في أركان البيت، كأنها تهدهده، كأنها تضعه في حضن الليل بحنان لا يوصف.

وربما لهذا، حين كبر أبي ورحل عن الخليل، لم يرحل صوته معه. ظل محفورا في ذاكرته، كما ظلت الحكايات، كما ظل العنطبيخ، وكما ظلت فاطمة، المرأة التي صامت عنه، وأحبته أكثر مما يمكن للحب أن يفسر.

أنا هنا… لكنني هناك أيضا

اليوم، وأنا في كندا، لا أطبخ العنطبيخ، لا أقف أمام نار واطية أقلب العنب حتى يتكثف، لكنني أبحث عنه، عن رائحته، عن ذاكرته، عن مذاق الأمان الذي يتركه في النفس.

أعلم أنني مهما حاولت، لن يكون رمضان هنا كما كان هناك. لكنني سأحاول، سأروي لهم عن فاطمة، عن فاروق، عن عبد الباسط عبد الصمد، عن العنطبيخ الذي كان يطهى كأنه يصنع من الذكريات.

وربما، بعد سنوات، حين يبتعد أولادي عني، سيجدون أنفسهم يجلسون في مطبخ بعيد، في مدينة لا تشبه المدن التي عرفناها، وسينتظرون الأذان في مكان لا يرفع فيه الأذان، وسيبحثون في هواتفهم عن صوت يجعلهم يشعرون بأن رمضان قد بدأ حقا.

وحين يغمضون أعينهم على صوت “يا أيّتها النفس المطمئنّة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية”، ربما سيشعرون بما كان يشعر به أبي، وسيعرفون أنني كنت هنا، كما أن أبي ما زال هنا، كما أن فاطمة لم تغادر أبدا.

وربما، بعد زمن طويل، سيدركون الحقيقة التي أدركتها الليلة:

العنطبيخ لم يكن طعاما.

العنطبيخ كان ذاكرة.

والذاكرة… لا تموت.

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازيأوكفيل - كندا · ٢٨-٢-٢٠٢٥