Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث
من أماكن صغيرة

بين وجع و وجع

"يا الله…

كيف كنت تعلم أنها تستطيع، بينما ظنت هي أنها لا تستطيع؟

كيف كنت تعرف أن هذا الجسد الواهن يحمل روحا أقوى مما تظن؟

كيف كنت تهدهد قلبها كلما بكت وحدها، وتمسح على رأسها وهي لا تراك؟"

في غرفة الطوارئ، حيث الضوء شاحب كوجه الليل المرهق، والساعات تتثاقل على الجدران كأنها تجر خلفها ذاكرة المرضى، وقفت أمامها. على السرير الأبيض، كانت تنكمش تحت الغطاء، واهنة، كزهرة ذبلت قبل أوانها. عيناها شاردتان، كأنهما تبحثان عن شيء ضاع منذ زمن بعيد. ربما كان شبابها، ربما كان رائحة بيت امتلأ يوما بصخب الحياة، قبل أن يغدو مجرد صدى في ممرات الغياب.

أنا طبيب متدرب، ما زالت الحياة بالنسبة لي معادلة قابلة للحل، والألم مجرد رقم يوضع على مقياس، ليصرف له دواء. مددت يدي إلى لوحي الإلكتروني، وسألتها بصوت خال من التردد، كما تعلمنا:

“من واحد إلى عشرة، كم هو الألم؟”

رفعت عينيها إلي، وكان في نظرتها شيء لا ينتمي لهذه الغرفة. للحظة، شعرت أنها تراني لكنني لا أراها، كأنها تعبر بي إلى ضفة أخرى، حيث الأرقام لا تصلح لقياس الخسارات. ابتسمت بسخرية خافتة، ليست موجهة إلي، بل إلى عبثية السؤال نفسه. تأملتني قليلا، ثم همست، وكأنها تلقي إلي سرا من أسرار هذا الكون:

“أي ألم تعني؟”

في تلك اللحظة، أدركت أنني دخلت منطقة لا تغطيها كتب الطب. كنت أبحث عن رقم، لكنني وجدت سؤالا يفتح أبوابا لم أرها من قبل. هناك ألم الجسد، وألم الروح، وألم الفقد الذي يسرقك من نفسك ولا يعيدك أبدا. هناك الألم الذي يوقظك ليلا ليذكرك بمن كنت قبل أن تسقط، وألم الوحدة الذي يتسلل إليك على هيئة مقعد فارغ، أو ذكرى لا تبهت، أو صوت لم يعد يجيب.

حاولت أن أستعيد مهنيتي، فقلت بصوت أكثر ثباتا:

“أقصد ألمك الجسدي… من واحد إلى عشرة؟”

ضحكت بخفوت، كأنني طفل يسأل سؤالا بديهيا. ثم قالت بهدوء يشبه انكشاف الحقيقة:

“الألم ليس رقما، يا بني. الألم قصة، ندبة، وطن غادره أهله ولم يعد أحد ليسأل عن أطلاله. ما هو عشرة عندك، قد يكون واحدا عند غيرك. وما هو خمسة اليوم، قد يصبح مجرد ظل غدا. كل شيء يتغير، حتى الألم.”

حدقت في الأرض، شعرت أنها سحبتني من عالمي المعقم إلى بحر لا أعرف كيف أسبح فيه. كيف لنا أن نحصر المعاناة في أرقام، ونحن لا نحمل الأجساد نفسها، ولا الأرواح ذاتها؟ كيف يقاس وجع من انتظر أحدا لم يعد، أو من رأى أحلامه تنهار كبرج من الرمل، أو من أمضى العمر يقاوم حتى نسي لماذا بدأ المعركة أصلا؟

في تلك الليلة، لم أنم. ظلت كلماتها تتردد في داخلي، تقلب نظرتي لكل شيء كنت أظنه ثابتا.

كانت تتحدث وكأنها تعري هذا العالم من منطقه الزائف، كأنها تضع إصبعها على جرح لم نجرؤ على لمسه: الألم لا يرى، لكنه يحفر أخاديده في القلب، في الذاكرة، في الطريقة التي ينطق بها الإنسان اسمه بعد كل خيبة.

وفي الصباح، حين استيقظت في وحدتها المعتادة، لم تشعر بحاجة إلى قياس ألمها. جلست تحت ضوء الفجر المتسلل من النافذة، ترتب داخلها كما يرتب العابد مسبحته قبل الدعاء. في الخلفية، كان صوت إسلام صبحي يتلو آية شعرت أنها خلقت لها:

“رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ.”

أغمضت عينيها، وكأنها تزن حياتها كلها في تلك اللحظة. كم مرة ظنت أن طاقتها نفدت، وأنها لن تقدر على حمل المزيد؟ كم مرة خيل لها أنها وصلت إلى الحافة، ثم اكتشفت أن الله يضع في داخلها قوة لم تكن تعرف عنها شيئا؟

طرقات خفيفة على الباب أعادتها إلى الواقع. دخلت أنا، الطبيب المتدرب، بنفس السؤال الذي حملته البارحة، لكن شيئا داخلي تغير. لم أعد أبحث عن رقم، لم أعد أظن أن الألم مسألة قابلة للحصر.

ابتسمت، كأنني أعتذر، وسألتها بصوت مختلف هذه المرة:

“كيف تشعرين اليوم؟”

رفعت رأسها إلي، بنفس الهدوء، بنفس اليقين الذي يملكه من مر من النار وخرج منها أقوى، وقالت بصوت مطمئن، كأنها تلقي درسا أخيرا في الحكمة:

“الألم؟ لم يعد له رقم. لكنه موجود، وسيمضي. وكما جاء… سيرحل.”

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازياوكفيل - كندا · ١٩-٢-٢٠٢٥