توقفي… واشتمي الورود

لم يكن لقاؤنا مخططا له، ولم يكن فينسنت صديقي حينها. كان مجرد صديق صديق، دخل حياتي كما يدخل الغرباء الذين يبعثرون ترتيب أفكارك، ثم يتركونك بعدها مختلفا عما كنت عليه قبلهم.
التقيته في مقهى صغير بالقرب من بحيرة جنيف، حيث المدينة تتقن الأناقة كما لو كانت ولدت بها، حيث البحيرة تمتد أمامك بوقار، تعكس أضواء السماء كأنها تأبى أن تفقد أي لون من تفاصيلها. في ذلك الصباح، كانت جنيف تتنفس المطر، تغسل شوارعها بصمت، تترك قطراتها بصمات شفافة على زجاج النوافذ، كأنها تحاول أن تكتب رسالة لم تحك بعد.
جلست هناك، أدفئ يدي حول كوب من البابونج، أراقب بخاره وهو يتسلل ببطء، يختفي كأنما يعيد تمثيل كل الأشياء التي أفلتت من بين يدي دون أن أدرك. كنت أبحث عن شيء لا أعرفه، عن إجابة لسؤال لم أصغه بعد، عن تلك السكينة التي لا تأتي حين ندعوها، بل حين نتوقف عن انتظارها.
ثم، كما يليق بجنيف في هذا الطقس، دخل فينسنت.
كان كمن خرج من مشهد سينمائي قديم، رجل لم يكن يحاول أن يكون استثنائيا، لكنه كان كذلك دون مجهود. كان في أوائل الستينات، بشعر فضي أنيق بدا وكأنه امتداد لهيبته، بملامح تشبه ريتشارد جير، بذلك الوقار الذي لا يزيده العمر إلا وسامة. كان يمشي بثقة رجل يعرف طريقه جيدا، يحمل مظلة سوداء كلاسيكية، لا تزال تتساقط منها قطرات المطر، ويرتدي طاقية صوفية مشغولة يدويا، لم تكن تحمل شعار ماركة، لكنها كانت تنطق بالفخامة الصامتة، كأنها صنعت خصيصا له. كل شيء كان يرتديه لم يكن صاخبا، لم يكن ملفتا، لكنه كان كافيا ليدرك من يراه أنه أمام رجل لا يشبه البقية.
لم يكن يعرفني، ولم أكن أعرفه، لكن صديقنا المشترك قدمه لي كأن الأمر لا يحتاج إلى مقدمات:
“هذا فينسنت، أحد أكثر الأشخاص الذين ستستمتعين بالحديث معهم.”
ألقى نظرة خاطفة على البحيرة قبل أن يجلس أمامي، خلع معطفه الثقيل، وضع مظلته بجانبه بحركة متقنة، ثم رفع حاجبه بابتسامة صغيرة وقال:
“المطر يجعل المدينة أكثر صدقا… كأنما يجبرها على البوح.”
طلب خبز البريوش مع الزبدة والمربى، وكوبا من الشاي الأسود بالليمون، بينما احتفظت بكأسي من البابونج، كأنني كنت أعلم أن هذا اللقاء سيحتاج إلى نكهة هادئة ترافقه.
سويسرا…
بلد صغير بحجم الجغرافيا، لكنه عظيم بصيته، هناك أماكن في العالم أكثر سحرا، أكثر اتساعا، أكثر دفئا، لكن كلمة “سويسرا” وحدها تحمل وقعا مختلفا، كأنها موسيقى لا تسمع ولكن تحس. في الوطن العربي خصوصا، جنيف ليست مجرد مدينة، بل رمز للرقي، صورة للحياة المثالية، عنوان للفخامة والهدوء اللذين لا يحتاجان إلى إثبات. هناك شيء غير مرئي في سويسرا يجعلها أكثر من مجرد مكان، شيء يشبه النوتات الموسيقية التي تعيش داخلك حتى بعد أن تغادرها.
في سويسرا، لا أحد في عجلة من أمره، كل شيء يسير وفق نغمة غير مسموعة لكنها دقيقة. القطارات تصل في موعدها، المطر ينهمر بتهذيب، الطرقات نظيفة دون أن يراها أحد تكنس، والناس يبدون كما لو أنهم يملكون وقتا إضافيا للتأمل، رغم أن لا أحد يعرف كيف يخزن الوقت هنا دون أن يشعر بثقله.
كان حديثنا عن المدن ينساب بسلاسة، كأن جنيف نفسها تدعونا لنتحدث عن أماكن أخرى، عن تلك التي تترك فينا أثرا لا يزول، عن الرحلات التي لا تقاس بعدد الكيلومترات، بل بكم المشاعر التي تتركها فيك.
ثم قال فجأة، وكأنه يرسم خطا جديدا للحوار:
“أنا أخطط لرحلة مع زوجتي وأولادي إلى الأردن.”
نظرت إليه بفضول: “البتراء ووادي رم؟”
أومأ برأسه وهو يحرك كوبه بين يديه:
“أريد أن أرى التاريخ كما يجب أن يرى، لا في الصور ولا في الكتب، بل في الحجر، في التفاصيل التي نغفلها حين نقرأها ولا نراها. أريد أن أقف أمام البتراء، أن أرى كيف يغير الضوء لون الصخور مع مرور الساعات، أن أشعر كم مر من الزمن على هذا المكان، كم قصة مرت من هنا. وأريد أن أذهب إلى وادي رم، أن أجلس هناك في الليل وأرى السماء كما لم أرها من قبل.”
ابتسمت، لأنني كنت أعرف تماما ما يتحدث عنه.
“في وادي رم، لن ترى سماء فقط، بل ستشعر أنك جزء منها. النجوم هناك ليست مجرد نقاط بعيدة، بل أقرب مما تخيلت يوما. إنه المكان الذي تتعلم فيه كيف يبدو الصمت حين يكون ممتلئا بالحياة.”
أومأ برأسه كأنه يستطيع تخيل المشهد، ثم قال بعد لحظة صمت:
“هكذا هي الحياة… أحيانا نحتاج إلى أن نراها من مكان مختلف، من زاوية لم نعتدها، حتى ندرك كم كنا غارقين في التفاصيل الخاطئة.”
ثم، بعد لحظة تأمل، قال كأنه يتذكر شيئا:
“تعلمين؟ هناك أيام يجبرنا القدر فيها على التوقف… على شم الورود.”
لم تكن مجرد كلمات، كانت فلسفة كاملة في جملة واحدة.
نظر إلي نظرة ثابتة، كمن يمنحني شيئا أثمن من النصائح، ثم أكمل:
“حين كنت أصغر، كنت أعتقد أن الحل لكل شيء هو الاستمرار في المضي قدما، أن لا أتوقف أبدا، أن أواجه كل شيء بقوة ودون أن ألتفت للخلف. لكنني تعلمت مع الوقت أن الحياة لا تؤخذ بهذه الطريقة. أحيانا، التوقف ليس هزيمة، بل فرصة. فرصة لرؤية شيء فاتنا ونحن مشغولون في الركض. فرصة لالتقاط أنفاسنا قبل أن نكمل الطريق. فرصة لنرى الجمال حتى في أكثر اللحظات صعوبة.”
لم أكن أعلم أن تلك الجملة سترافقني طويلا، ستصبح جزءا من طريقتي في فهم الحياة، ستصبح ملجئي في كل مرة أشعر فيها أنني أنهك نفسي بالسير دون أن ألتفت.
لم يكن فينسنت صديقي حينها، لكنه أصبح كذلك مع الوقت. أصبح الرجل الذي ترك لي درسا لم أكن أعلم أنني بحاجة إليه.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت كلماته أسلوب حياة.
لم أعد أتعامل مع الحياة كواجب يجب إنجازه، لم أعد أهرب من الأوقات الصعبة كما كنت أفعل، بل تعلمت أن هناك أوقاتا يجبرنا القدر فيها على التوقف، ليس عقابا، ولكن لنرى شيئا كنا سنفقده لو واصلنا الركض دون أن نلتفت.
وفي كل مرة يشتد علي الزمن، حين تضيق بي الحياة أو تتراكم الأفكار في رأسي، أعود لتلك اللحظة، لذلك اللقاء، لذلك الرجل الذي لم يكن مجرد عابر، بل رسالة جاءت في وقتها تماما.
أتنفس بعمق، وأهمس لنفسي كما فعل فينسنت يومها: توقفي… واشتمي الورود.