Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث
من أماكن صغيرة

وفاء لفاروق: رواية حب لا يموت

لم يكن اسمه مجرد صدى في زحام الأسماء، بل كان نبوءة خطها القدر بعناية. فاروق… كأن الحياة منحته من اسمه نصيبا، فكان الفارق بين الحكمة والتهور، بين العدل والعبث، بين النبل والخطيئة، بين الرجل الذي يداوي الجراح، والذي لم يكن يوما جرحا في حياة أحد. لم يكن رجلا فقط، بل كان زمنا من الطمأنينة في عالم يعج بالفوضى.

أما هي، فقد حملت اسمها بجدارة فلم يكن مصادفة لغوية: وفاء. كأنها خلقت لتكون امتدادا لكل ما يعنيه اسمها، امرأة لا تترك، لا تخون، لا تعرف كيف تكون إلا انعكاسا صادقا لمن تحب. لم تكن ظلا لرجلها، بل كانت نوره، الدرب الذي يعيده إلى ذاته حين يضيع وسط زحام الدنيا.

كانت شعلة الحياة بجانبه. كانت الفشار، سريعة الاشتعال، متفجرة العاطفة، لا تعرف كيف تخبئ مشاعرها، لكنه كان لها الهدوء، كان يعرف كيف يربت على قلبها دون أن يقول شيئا، كيف يطفئ الحريق بكلمة واحدة، بنظرة، بحضور. كانت تشتعل، وكان هو السد الذي لا ينهدم، كان الرجل الذي يحسن فن الاحتواء.

بينهما أربعة عشر عاما…

أربعة عشر عاما لم تكن سوى ظل على الحائط، لا يرى إلا حين تشرق الشمس من زاوية معينة. أما في العتمة، حين يكون القلب هو البوصلة الوحيدة، لم تكن هناك أرقام تفصل بينهما. كانا قديمين في حبهما، كأنما التقيا في حيوات أخرى، وتآلفا منذ أن خلق العالم. تزوجت صغيرة، بالكاد كانت تفهم معنى أن تكون زوجة، لكنه كان لها المعلم والرفيق، الرجل الذي لم يجعلها يوما تشعر أنها أصغر، بل منحها من عقله ما يكفي لتدرك العالم بعينيه، ومن قلبه ما يكفي لتشعر بالأمان في كل خطوة.

خمسون عاما… نصف قرن من الرفقة الطيبة.

كانا يسافران عبر المدن، لكنه كان لها دائما الوطن. شهدت بين يديه معجزات لم ترها إلا هي: يدي طبيب يمسك بالحياة قبل أن تهرب. لكنه لم يكن مجرد طبيب، بل كان مرفأ للخائفين، رجلا تشعر النساء بالأمان في وجوده، لا لأنه يمنحهن العلاج، بل لأنه يمنحهن الاحترام الذي يجعل الألم أكثر احتمالا.

أما هي، فقد كانت نقيضه الجميل، صوته الذي لا يقوله، الحقيقة التي لم يكن بحاجة إلى أن ينطقها. لم يكن يحتاج إلى أن يخبرها كيف يشعر، لأن نظرة منه كانت كتابا مفتوحا، وكانت وحدها تستطيع أن تقرأه.

وفي النهاية، أتى المرض كما يأتي كل شيء لا نرغب فيه، بلا دعوة، بلا مقدمات.

كبر فاروق، وانحنى ظهره قليلا تحت ثقل السنوات، لكن عينيه ظلتا مشعتين بالحكمة، بوميض الرجل الذي لم تهزمه الحياة حتى وهو يخسر أمام الموت. وحين بدأ الزمن يأخذ منه شيئا فشيئا، كانت هي يده التي يستند إليها، ابنته التي لم ينجبها، أمه التي لم تشك.

في ليالي المستشفى الطويلة، كانت تمسك بيده كأنها تمسك بالوقت، تحاول أن تقنع القدر أن يمنحها المزيد، يوما آخر، فقط يوما آخر.

لكن لا يد تمسك الزمن حين يقرر أن يأخذ، ولا امرأة – مهما كانت وفية – تستطيع أن تغلب الموت حين يمد يده.

رحل فاروق.

رحل كمن لا يريد أن يثقل على الحياة بغيابه، كمن لم يشأ أن يترك أثرا صاخبا، بل مجرد فراغ يفيض بالصمت. لم يمنحها وقتا لتعتاد الفكرة، لم يقل لها وداعا، لكنه عرف أنها ستسمعه حتى في غيابه، ستبحث عن صوته في الريح، في صمت الليل، في كل لحظة كانت تستدير فيها نحوه لتجده بجانبها.

عام ونصف على الغياب… لكنه لم يغب.

تجلس أمام قبره كل أسبوع، كما كانت تجلس بجانبه في الحياة. تخبره عن الأيام، تكذب عليه قائلة إنها بخير، لكنه يعرف أنها ليست كذلك. يعرف أنها نصف إنسانة منذ أن رحل، أن قلبها لم يعد ينبض كما كان، أن وجوده كان هو الشريان الذي يغذي روحها. فقدانه كان شقا في النفس قبل أن يكون مرضا في الجسد، وكانت تعلم أن الجراح العميقة لا تلتئم، بل تبقى مفتوحة تحت الجلد، تنتظر لمسة واحدة كي تنزف من جديد.

خضعت لعملية قلب مفتوح، لكن الأطباء لم يعرفوا أن الجرح الحقيقي ليس في القلب، بل في الفراغ الذي تركه وراءه. وحين تستيقظ ليلا، تسمع صوته يناديها، ليس كذكرى، بل كحقيقة لا تراها، كأنما لم يرحل، كأنما يضع يده على كتفها ويهمس لها: “أنا هنا.”

لكنها تعرف الحقيقة. تعرف أن الحياة بلا فاروق تشبه الليل بلا قمر، والموج بلا بحر، تعرف أن بعض الغيابات لا تعوض، وأن بعض القلوب حين تتركنا، تأخذ معها جزءا لا يمكن استعادته.

بعض الحب لا يموت.

بعض الحب يصبح ظلا يسير معنا، يسكن نبضنا، يهمس لنا حين نكون وحيدين، يربت على أرواحنا حين تشتد علينا الأيام. كان فاروق وطنا، ولم تكن الأوطان تنسى.

كل ليلة، قبل أن تغفو، تراه في حلمها كما كان: بابتسامته الحكيمة، بيده التي تربت على كتفها، بصوته الذي يطمئنها أن كل شيء سيكون بخير. وحين تستيقظ، تهمس باسمه، كأنها تدعوه ليبقى قليلا قبل أن يأخذه الفجر. فبعض الغائبين لا يرحلون، بل يبقون، فقط في مكان لا تراه العيون.

رحم الله فاروق… وأطال في عمر وفاء

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازياوكفيل - كندا · ٩-٢-٢٠٢٥