Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث

من أماكن صغيرةالعالم

حين يتجمل الفراغ

كان الفراغ قديما واضحا، لا يخجل من نفسه ولا يحاول أن يبدو أجمل مما هو عليه. كان جوعا صامتا، ظمأ نقيا، شقوقا في جدران الروح تعكس حقيقتها دون تجميل. كنا نشعر به، نواجهه، ندركه كما هو، ثم نعبره كما نعبر الليل، بلا أوهام.

أما اليوم، فقد تغير الفراغ. لم يعد مكشوفا كما كان، بل أصبح بارعا في التنكر، يلبس أقنعة مرصعة بالبريق، ويقدم نفسه كأنه حياة. صار أكثر ضجيجا، أكثر بهرجة، وأكثر قدرة على الخداع. لم يعد مجرد فراغ ندركه، بل وهم يتلبس هيئة الامتلاء، خواء مغلف بالتصفيق.

لم نعد نحيا كما كنا، بل أصبحنا نوثق. نرتب ابتساماتنا قبل أن نطلقها، نعيد تصوير لحظات الفرح لتناسب المشاهدين، نحذف ما لا يصلح للنشر، وكأننا لا نشعر بوجودنا إلا حين يرانا الآخرون. نتظاهر بالسعادة، بالنجاح، بالاكتفاء، بينما في أعماقنا، نطارد طمأنينة لم نجدها يوما.

في هذا العالم، أصبح الإنسان أكثر عرضة لأن يتحول إلى “محتوى”. كل شيء قابل للعرض والمشاركة: الفرح، الحزن، الغضب، وحتى الألم. يكفي أن تضاف إليه موسيقى مؤثرة، كلمات منمقة، وإضاءة محسنة، ليصبح مشهدا يجذب الانتباه. حتى التعاسة، حتى الوحدة، حتى التعب النفسي، تحولت إلى “ترند”، إلى شيء يستهلك مع بقية التفاصيل العابرة.

لكن، هل نحن كما نظهر؟ هل حقا نعيش ما ندعيه؟ أحيانا، يبدو أن الذين يتحدثون عن الاكتفاء هم أكثر من يعانون من النقص، والذين ينادون بالسعادة هم أكثر من يشعرون بالوحدة، والذين يرفعون شعارات التصالح مع الذات هم أكثر من يخوضون صراعا داخليا. حتى الضحك أحيانا يتحول إلى درع، نخفي خلفه هشاشتنا، خوفا من أن ترى حقيقتنا كما هي.

لقد أصبحنا كائنات زجاجية، لامعين من الخارج، هشين من الداخل، نخشى أن يرانا الآخرون بلا أقنعتنا. نتمسك بالوهم، رغم أننا ندرك حقيقته. ربما لأن مواجهته تتطلب شجاعة، وربما لأننا اعتدنا عليه حتى صار جزءا منا.

لكن في النهاية، كل شيء سينكشف. ستنطفئ الشاشات، سيهدأ الضجيج، وستبقى الحقيقة وحدها، بلا فلاتر، بلا إضاءة محسنة، بلا جمهور منبهر. حينها، سنعود إلى أنفسنا، حيث لا تصفيق، ولا متابعون، ولا إشعارات إعجاب. سننظر في المرآة بعيون صادقة، وندرك كم كنا عالقين في وهم صنعناه بأنفسنا.

عندها فقط، في لحظة صدق نادرة، سنفهم أخيرا… أن الفراغ، مهما تجمل، يظل فراغا.

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازيتورنتو - كندا · ١٥-٥-٢٠٢٤