صباح يعيد ترتيب العمر

في ذلك الصباح الكندي، كان الشتاء يطوق المدينة كذكرى ترفض أن تموت، وكانت بحيرة أونتاريو تحدق بي بنظرة تشبه العتاب الأخير، نظرة من يعرف أنك سترحلين لكنه لا يحاول منعك.
جلست في زاويتي المعتادة في المقهى، أراقب الشارع الحجري الممتد أمامي كعمر لم أعد أعرف إن كنت عشته أم ضعت بين محطاته. كل شيء في المدينة كان مزدحما بالغياب، وأنا… كنت مجرد امرأة تكتشف متأخرة أنها لم تكن تمضي، بل كانت تتلاشى ببطء.
أوكفيل القديمة، التي تأسست عام 1857، لا تزال تحتفظ برائحة الأزمنة الماضية، كأنها تنتظر من يقرأ عليها الفاتحة. لا المدن تنسى، ولا نحن ننجو تماما من ذاكرتنا. نحن فقط نتظاهر بذلك، كما يفعل العابرون الآن، يمرون أمامي مسرعين إلى يوم لا يشبههم، مثلما هرولت يوما إلى حياة لم تكن لي.
أمام عيني، فطيرة دافئة محشوة بالتمر والفستق الحلبي، غارقة في رائحة ماء الورد، كأنها نداء قديم من زمن لم يعد موجودا. بجانبها كوب شاي، لكنه ليس مجرد شاي…
شاي بالهيل، تفوح منه رائحة الأعياد التي لم أحتفل بها منذ زمن. خيوط الزعفران الذهبية تنساب فيه كأسرار لم يبح بها بعد، وورقات النارنج المجففة تسبح فيه كذكريات لم تغرق تماما في النسيان.
في أذني، كانت “بعدك على بالي” تصدح في سماعاتي، صوت فيروز يهمس في أذني كأنه يتواطأ مع هذا الحنين المتأخر. منذ متى كنت آخر مرة على بال أحدهم؟ منذ متى لم أكن مجرد ذكرى تتردد في خلفية حياة الآخرين، تماما كما تفعل هذه الأغنية الآن؟
إلى جواري، “قواعد العشق الأربعون”، مفتوح على صفحة لم أبحث عنها، لكنها جاءت إلي كما تأتي كل الأشياء التي نعتقد أننا هربنا منها:
“لا تحاول مقاومة التغيير الذي يعترض طريقك، بل دعه يشكلك كيفما يشاء.”
ضحكت بمرارة. متى كان لي خيار أصلا؟ كم مرة غيرني العمر دون إذني؟ كم مرة مشيت في طريق لم أختره، فأصبح قدري؟
“لأنك لم تفهمي بعد.”
كان الصوت واضحا كحقيقة مؤجلة. رفعت رأسي، كان شمس التبريزي يجلس أمامي، ينظر إلي كما لو أنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
• “ما زلت تبحثين عن شيء خارجك ،أليس كذلك؟”
• “أبحث عن وطن، يا شمس.”
• “والوطن، يا ابنتي، ليس خارطة، الوطن قلب لم يغلق بابه في وجهك.”
في الركن المقابل، كان الرومي يبتسم بحكمة العارفين:
• “الغربة ليست أن تكوني في أرض لا تعرفينها، بل أن تكوني في داخلك شخصا لا تعرفينه.”
أما غسان كنفاني، فكان هناك أيضا، جالسا عند حافة الوقت، ينفث دخان سيجارته كأنه يحاول إعادة رسم ملامح وطن ضاع بين أصابعه. كان يراقب اللاشيء بعينين تعرفان أكثر مما ينبغي، كأنهما تحملان حزن الخسارات التي لا تحكى، وكأنهما تكتبان رواية جديدة، لكن بالحبر المر للحياة هذه المرة.
سحب نفسا عميقا، زفره ببطء، ثم قال دون أن ينظر إلي:
• “كل الذين تحبينهم لم يغادروا. هم هنا، فيك، في هذا المقهى، في الفطيرة التي تأكلينها وحيدة، في كوب الشاي الذي صار باردا بين يديك، في هذه الأغنية التي تعيدك إلى أماكن لم تعد موجودة".
ارتشفت الشاي، وكان طعمه يشبه القصائد التي تنسى قبل أن تكتب، الرسائل التي لا تصل، الأوطان التي تظل خارج الخرائط، والحب الذي يبقى حتى بعد أن نقرر أننا نسيناه.
الشاي بعد الأربعين يصبح أكثر من مجرد شاي. يصبح استراحة من الركض خلف ما لن يعود، يصبح هدنة مع القلب، تصبح كل رشفة منه مصالحة مع العمر، اعترافا هادئا بأنك لم تعودي تلك الفتاة التي تركض خلف الأشياء خوفا من أن تفقدها. لأنك اليوم تعرفين أن الأشياء التي كتبت لك، ستأتيك ولو زحفت من قاع العالم.
نزار قباني مرر أصابعه بين الأوراق وقال كأنه يكتبني شعرا لم أقرأه بعد:
• “الوطن هو الذي حين تغادره، لا يغادرك.”
هتفت بمرارة:
• “لكنني لم أعد أجدني، يا نزار!”
أجابني جبران خليل جبران وهو يراقبني كما يراقب النحات تمثالا لم ينته منه:
• “كيف تجدين نفسك في طرق لم تخلق لك؟ كيف تعودين إلى بيت لم يكن بيتك منذ البداية؟”
فيروز لا تزال تغني…
“بعدك على بالي… يا حبيبي… بعدك على بالي…”
أطفأ غسان سيجارته في المنفضة، نظر إلي أخيرا، ثم قال بصوت هادئ لكنه قاطع:
• “الذين ينتظرونك هناك، لم يعودوا هناك. ربما آن الأوان أن تدركي أن بعض الأبواب التي تغلق، لا تعني أنك عالقة. بل تعني أنك حرة.”
أغلقت الكتاب، نظرت إلى المدينة التي لا تعرفني، إلى الطاولة التي جمعتني بأشباحهم، إلى كوب الشاي الذي صار باردا بين يدي.
ذلك الصباح لم يكن عاديا. كان عودة متأخرة إلى نفسي، لكنها جاءت في الوقت الوحيد الذي كان يجب أن تأتي فيه. لم أعد لأبحث، بل لأستعيد. لم أرجع لأتذكر، بل لأحرق كل ما جعلني أنسى من أكون. كنت هناك، حيث لم أغادر أبدا، لكن هذه المرة… كنت أنا.