أدراج السماء

كل اربعاء كان الزمن يعاد ترتيبه في عيني الصغيرة كلوحة قديمة يعيد القدر رسم الوانها. في ذلك اليوم من الاسبوع كنت اخرج الى عتبات البيت اراقب الطريق بعينين صغيرتين ولكن بلهفة من تعلم ان الحب الحقيقي دقيق في مواعيده. كان انتظار عودة جدي الاستاذ حسن هو احتفالي الاسبوعي الصغير؛ رجل عرفته الناس كمدير لمبرة ام الحسين وعرفته انا كعالم باكمله، رجل لا يقدم دروسه في صفوف باردة بل على عتبات قلبه الدافئ.
يعود محملا بكنوز من نوع خاص كتب قديمة تحوي عوالم لم تزرها قدماي الصغيرة، يحملها باسمه لاجلي كأنما يعلمني كيف ارحل دون ان اخطو وكيف اطير دون ان افقد براءتي. كنت اقرأها بنهم وانتظر الاربعاء القادم لاعيدها له محملة بانطباعاتي الصغيرة واسئلتي الكبيرة. وكان دائما يبتسم كأنه يرى في امتدادا لحكاياته؛ كأن كلماته هي الجسر الذي يعبر به حبه وصبره ونظرته العميقة لهذا العالم.
مع كل غروب في تلك الامسية كنا نرفع رؤوسنا الى السماء حيث تتحول الغيوم الى سلالم برتقالية وحمراء تعانق الشمس وتبتعد عن الارض. مشهد كان يأخذني الى عوالم لا افهمها كأنني اتحسس حافة سر لا يفصح عن نفسه. سألته يوما عن تلك السلالم فأجابني بابتسامة متعبة ونظرة حانية: “يا حبيبتي، هاي ادراج السماء. اللي بنحبهم لما يتركونا بيطلعوا عليها. السماء تستقبلهم خطوة خطوة وكلما ازداد حبنا لهم ظهرت لنا السلالم من جديد تلوح لنا تذكرنا بانهم هناك.”
لم افهم تماما معنى كلماته حينها لكنني حفظتها في قلبي كآية سرية لا تخص الا انا وهو. مرت السنوات ورحل جدي. لم يعد هناك اربعاء دافئ ولا ظل عزيز يقترب من بعيد ولا يد حانية تمسح على رأسي وتترك كتابا في حجري. ولكن كلما نظرت الى غروب الاربعاء كنت اراه هناك يصعد ادراج السماء يبتسم لي من بعيد كأنه ما زال يرسل لي قصصا جديدة قصصا لا تكتبها الكتب.
ثم جاء ذلك اليوم الذي غاب فيه والدي ايضا، يوم شعرت ان الارض قد ثقلت على قلبي وان السماء باتت مظلمة. وقفت وحدي على عتبات البيت انظر الى الغيوم وقد بدأت تتخذ شكل السلالم البرتقالية التي عرفتها مع جدي. اغمضت عيني وتخيلت ابي يصعد متجها نحو جدي وكأن السماء لا تأخذ الا من نحب.
رأيتهما هناك كأنني كنت انظر عبر نافذة حلم؛ ابي يصعد بخطوات مترددة ليجد جدي في انتظاره. رأيتهما يتعانقان عناق من غاب طويلا عن احبته. كان جدي يربت على كتف والدي يهمس له كما كان يهمس لي يطلعه على اسرار السماء ويأخذ بيده خطوة خطوة كأن السلالم التي صعداها لم تكن سوى عودة دائمة الى قلب الحكاية.
اليوم عندما تغيب الشمس وتتلون الغيوم اعرف انني لست وحيدة. اعلم ان السلالم البرتقالية والحمراء ليست فقط لمن رحلوا بل لكل من نحبهم بصدق ولكل من نحمل ذكراهم بشغف. اعلم انني يوما ما سأصعد تلك الادراج وسأجد جدي ووالدي هناك يجلسان على حافة الغيم يضحكان معا كما كانا يفعلان هنا وحين اصل سيمسك جدي بيدي ويقول لي بابتسامة تملؤها الحكمة والحنين: “ادراج السماء يا حبيبتي ليست لفراقنا… بل لجمعنا كلما ذكرنا الحب."