Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث

من أماكن صغيرةالبيت

يحيى… كبر

تخرج، وقبل في الجامعة، وصار ذلك الولد الذي كنت أهدهده قبل النوم، وأعد له العمر سنة بعد سنة، يجلس أمامي اليوم يحاورني كما يحاور الرجال بعضهم بعضا.

ويا الله…

كم أحب تلك الأحاديث التي تأتي بعد منتصف الليل.

حين ينام البيت كله، وتخفت الأصوات، ولا يبقى في العتمة إلا صوتان…

صوته…

وصوتي.

هناك فقط يصبح الكلام صادقا.

لا أحد يحاول أن يبدو أذكى مما هو عليه، ولا أحد يخاف أن يعترف بما لا يعرف.

هناك، يعود الإنسان إلى نفسه.

ويحيى…

كبر ذكاؤه قبل أن يكبر عمره.

أحيانا ينسيني أنه ابني، حتى يفاجئني بسؤال يعيدني طفلة من جديد.

قال لي ذات ليلة:
“ماما… لماذا يكره الأغنياء الفقراء؟ ولماذا يكره الفقراء الأغنياء؟”
ساد بيننا صمت قصير…

لكنه كان محملا بسنوات طويلة.

لأنني لم أسمع هذا السؤال لأول مرة.

كنت قد سمعته من قبل…

لكن بصوت أبي.

رحمه الله.

كان أبي يردد علي هذه الآية كثيرا.

في السيارة…

على مائدة الغداء…

بعد موقف مر بنا…

وأحيانا من دون أي مناسبة.

كان يقولها ثم يسكت، كأنها تكفي لتفسير الدنيا كلها.

وكنت أستغرب.

لماذا هذه الآية بالذات؟

ولماذا يعود إليها كل مرة؟

ولم يكن يجيب.

ترك الأيام تجيب عنه.

كنت أظن أنه يكررها لأنه يحبها…

ولم يخطر ببالي يوما أنه كان يكررها لأنه يحبني.

كان يزرعها في قلبي، ويثق أن الزمن سيأتي بالمعنى حين يحين أوانه.

وفي تلك الليلة…

حان أوانها.

نظرت إلى يحيى، ورأيت نفسي قبل سنوات.

وقلت له كما كان أبي يقول لي:
يا بني…

الله لم يجعل الناس درجات ليعرف أحدهم أنه أفضل من الآخر.

جعلهم درجات ليبلوهم.

﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم﴾.

ثم سكت قليلا.

وقلت:
تخيل يا يحيى لو دخل الناس جميعا قاعة امتحان واحدة، لكن الله أعطى كل واحد منهم ورقة مختلفة.

هل يعقل أن يترك أحدهم ورقته، وينشغل بالإجابة عن ورقة غيره؟

ابتسم وقال:
“لا.”
قلت:
وهذه هي الحياة.

لا أحد ينجح لأن ورقته كانت أسهل.

ولا أحد يرسب لأن ورقته كانت أصعب.

ينجح الإنسان حين يحسن الإجابة عن ورقته…

لا حين يقضي عمره يقارنها بأوراق الآخرين.

ثم قلت له:
إن فتح الله عليك يوما، فلا تظن أن ما في يدك دليل على أنك خير من غيرك.

إنها أمانة.

وإن ضاقت بك الدنيا يوما، فلا تظن أن الله تخلى عنك.

إنها ورقتك…

والله لا يخطئ في اختيار أسئلة عباده.

أما الكراهية…

فهي اللحظة التي ينسى فيها الإنسان ورقته، وينشغل بأوراق الآخرين.

ظل يحيى ينظر إلي بصمت.

وأنا…

كنت أشعر أن أبي هو الذي يتكلم.

كأن الكلمات لم تخرج من لساني…

بل عبرت قلبي أولا، من المكان الذي تركها فيه منذ سنوات.

عندها فقط فهمت.

أبي لم يكن يعلمني تفسير آية.

كان يعلمني كيف أنظر إلى الحياة.

وكان يعلم أن الحياة، وحدها، ستتكفل بشرح الباقي.

نام يحيى بعد ذلك.

أما أنا…

فبقيت مستيقظة.

أفكر في الأشياء التي لا نفهمها إلا بعد أن نصبح آباء.

واكتشفت أن الإرث الحقيقي ليس بيتا، ولا أرضا، ولا مالا.

الإرث الحقيقي…

جملة يقولها أب لابنته مرات كثيرة، حتى تظن أنها مجرد كلمات.

ثم يأتي يوم…

تجد نفسها تقولها لابنها، بالحرف نفسه.

في تلك الليلة…

لم أجب أنا يحيى.

كان أبي…

يجيب حفيده…

بصوتي.

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازياوكفيل - كندا · ٢٦-٦-٢٠٢٦