تأمل في شيء صغير في البيت… وشيء كبير في العالم

بعد الإفطار بقليل
يصبح البيت في رمضان
يشبه كل البيوت الأخرى.
المطبخ متعب من يوم طويل،
الأطباق تنتظر دورها في المغسلة،
ورائحة الطعام ما زالت عالقة في الهواء
كأنها لا تريد مغادرة المكان.
ذلك التعب الذي يأتي بعد الإفطار
ليس جوعا
ولا شبعا،
بل صمت خفيف في الجسد
بعد يوم طويل من الحركة.
جلست أخيرا.
في تلك اللحظة
دخلت ابنتي الصغيرة.
قالت ببساطة:
ماما… بدي أتحمم.
قلت لها:
كمان ساعة.
رفعت الهاتف وقلت:
“Siri، حطي تايمر ساعة.”
رد الصوت الهادئ من الهاتف:
“Uh-huh?”
نظرت إلى ابنتي.
كانت تضع يدها على فمها
وكأنها تخبئ فكرة صغيرة.
سألتها:
شو في؟
قالت:
ماما…
أنا ما بحب Siri.
ابتسمت وقلت:
ليش؟
هزت كتفيها وقالت:
ما بعرف…
بس ما بحب صوتها…
وما بحب إنها بتحكي معنا.
ثم سكتت.
كانت جملة طفلة.
لكنها بقيت تدور في رأسي.
بعد قليل
فتحت الأخبار.
العالم في الخارج
كان يتحدث عن شيء آخر تماما.
الحرب.
الضربات.
التهديدات.
ومضيق هرمز
الذي تمر منه شرايين الطاقة للعالم.
خبر واحد
كان يتكرر في كل مكان:
سعر النفط
تجاوز مئة دولار.
رقم صغير على الشاشة.
لكن العالم يعرف
أن هذا الرقم
حين يتحرك قليلا
تتحرك معه أشياء كثيرة.
فالنفط
لا يحرك السيارات فقط.
إنه يحرك الطرق كلها.
الطعام الذي يصل إلى المدن،
والسفن التي تعبر البحار،
والطائرات التي تقطع السماء.
حتى الخبز
الذي نشتريه صباحا
وصل إلى المخبز
بعد رحلة طويلة
يمشي جزء كبير منها
على النفط.
لهذا
حين يرتفع النفط
لا تبقى الحرب بعيدة.
بل تدخل بهدوء
إلى كل بيت في العالم.
لكن ما أربك العالم في الأيام الأخيرة
لم يكن الضربات نفسها.
بل ما جاء بعدها.
كثيرون توقعوا
ردودا مألوفة.
تصريحات.
استعراض قوة.
رسائل سياسية يمكن قراءتها مسبقا.
لكن السياسة
مثل البحر أحيانا.
أخطر ما فيها
ليس العاصفة…
بل الموجة
التي تأتي
من حيث لا يتوقعها أحد.
ولهذا
ارتبكت الأسواق.
اليوم
تسمع جملة تتكرر كثيرا:
غدا
قد تنهار أسواق العالم.
جملة كبيرة
تشبه العناوين التي تجعل الناس
ينظرون إلى الشاشات بقلق.
لكن الأسواق
نادرا ما تنهار فجأة.
هي تتعب أولا.
تتوتر.
ترتجف قليلا.
تحاول أن تفهم
ما الذي يحدث.
الأسواق
لا تخاف من الحرب فقط.
بل من شيء أخطر بكثير:
حين لا يعرف أحد
ماذا سيحدث غدا.
الغريب
أننا نعيش هذه اللحظة
بطريقتين مختلفتين تماما.
إذا فتحت إنستغرام
يبدو العالم هادئا.
قهوة.
وصفات.
عبايات رمضان.
أما إذا فتحت الأخبار
تشعر أن الكوكب كله
يقف على حافة شيء أكبر.
أساطيل تتحرك.
أسعار طاقة ترتفع.
وهمس في الأسواق
أن الغد
قد لا يكون يوما عاديا.
وفجأة
تذكرت جملة ابنتي الصغيرة.
“أنا ما بحب Siri.”
ربما لأنها شعرت
بشيء بسيط
لم نعد نحن الكبار نلاحظه.
أن العالم
صار يتكلم معنا طوال الوقت.
أصوات الأخبار.
أصوات التحليلات.
أصوات الخوارزميات.
كلها تحاول أن تشرح
ما الذي يحدث.
وربما كانت ابنتي
أصدقهم جميعا.
لأنها وحدها قالت:
لا أعرف.
ولم تحاول أن تكمل الجملة.
في تلك اللحظة
كان البيت هادئا.
المطبخ بدأ يبرد.
ورائحة الطعام ما زالت خفيفة في الهواء.
ابنتي جلست قربي
تنتظر أن ينتهي المؤقت.
والهاتف على الطاولة
يعد الدقائق بصمت.
أما العالم في الخارج
فكان يعد شيئا آخر تماما.
الغد.