ترتيب القلب

صباح الخير يا هالة
اليوم خريفي بامتياز
السماء رمادية كقصيدة لم تكتمل، والهواء فيه رعشة تذكرك بأن كل ما نحبه مهدد بالغياب. قرأت البارحة أن من يمشي في الهواء الطلق عشرين دقيقة صباحا تتبدل كيمياء يومه، واليوم، ولأول مرة، قررت أن أجرب.
خرجت من البيت بخفة من يستعيد نفسه بعد غياب طويل.
الطريق مبلل بندى الليل، والريح الباردة تمر على وجهي كصفحة جديدة.
كانت القهوة قد نفدت البارحة، وكأن القدر دبر ذلك لأخرج.
ذهبت إلى السوبرماركت أبحث عن كبسولات القهوة، وهناك، قرب المدخل، كان مزارع بسيط يرتب باقات ورد عباد الشمس الصغيرة.
كانت أصابعه خجولة كأنها ترتب الضوء نفسه.
توقفت أمامه لحظة، تأملت الوردات الصفراء التي ترفع رؤوسها بثقة رغم البرد، وكان المشهد يشهي القلب.
اشتريت القهوة والورد معا، وقلت لنفسي وأنا أبتسم:
حتى الخريف يحتاج قليلا من الشمس ليذكرنا أن الدفء لم يمت.
عدت إلى البيت.
أعددت الفنجان على مهل، ووضعت الوردات في المزهرية.
امتلأ المكان بلون أصفر يشبه الحياة حين تصر أن تزهر رغم البرد.
جلست قرب النافذة، والضوء الخافت ينساب على الطاولة.
وقعت عيناي على الدفتر الذي أهدتني إياه صديقتي منذ أكثر من شهر.
كان ينتظرني بصبر يشبه انتظار المحبين.
فتحته. رائحته تشبه البداية.
كتبت أول جملة دون أن أفكر:
“أريد أن أعيش كما تزهر زهرة عباد الشمس، تلتفت للنور ولو كان بعيدا.”
لم أكن أكتب لأحكي، بل لأتنفس.
الكتابة كانت طريقتي في أن أعيد ترتيب الفوضى في داخلي،
أن أرمم قلبي كما يرمم بيت قديم ما زال فيه أثر أصوات أحببناها.
بعد سنتين من وفاة والدي رحمه الله، وسنتين من حرب أكلت ضوء العالم،
أدركت أن النجاة لا تشبه ما نتصورها.
لم تكن النهايات نهايات.
كانت طرقا خفية يعيد فيها الكون ترتيب قلبي كي يتسع أكثر.
كنت أظن أن الموت يأخذ، لكنه ترك فيّ ضوءا جديدا للحب.
كنت أظن أن الحرب تقتل الإحساس، لكنها جعلتني أرى هشاشتنا، وأحبها.
فالهشاشة هي ما يجعلنا نحب، وما يجعلنا بشرا.
كل ما ظننته فقدا، كان درسا.
كل ما ظننته انكسارا، كان بابا إلى وعي أعمق.
الزمن لم يشفني، لكنه صقلني كما تفعل الرياح بالصخور،
جعلني أكثر ليونة من الخارج، وأكثر صلابة في الداخل.
الآن، حين أمشي في الصباح، أشعر أن أبي يمشي معي في الهواء،
وأن الأرواح لا تبتعد، بل تتوزع في تفاصيلنا كي نحيا.
حتى القهوة التي كنت أعدها له كل صباح، بات طعمها مختلفا،
فيها شيء من الغياب، وشيء من الامتنان.
تعلمت أن الحياة لا تعيد لنا ما أخذته،
لكنها ترسل بدلا منه فهما أعمق، وسكينة تشبه المصالحة مع الله.
ولأول مرة، لم أعد أبحث عن معنى كل شيء،
يكفيني أن أؤمن أن لكل وجع وظيفة، ولكل فقد وجها من الرحمة.
كل ما ظننته نهاية، كان في الحقيقة طريقة الكون ليعيد ترتيب قلبي كي يتسع أكثر.
وربما لهذا، في هذا الصباح الخريفي،
حين جلست أمام فنجاني والوردات الصفراء تبتسم لي،
شعرت أنني لم أعد كما كنت.
صرت أشبه النور الذي بقي بعد العاصفة.
رحمك الله يا أبي،
كنت ولا زلت دليلي إلى الصبر، ومعناي الأعمق للحب.
سلام عليك في الغياب، كما كنت سلامي في الحضور.