Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث
من أماكن صغيرة

أنا البحر… ولم أكن مع فرعون

بصوت البحر

أنا البحر.

لا لوني ثابت، ولا اسمي مكتوب.

لكنني الشاهد الذي لا يشترى،

والقاضي الذي لا يصفق.

كنت هناك، حين مشت هالة بجانب طفلها على كورنيش إستبونا.

كان النسيم يمر بينهما،

لكني كنت أعرف أن ما سيقال،

ليس سؤالا بسيطا … بل بداية نبوءة.

قال الطفل، بصوت فيه أكثر من براءة:

“ماما… شو يعني ديستوبيا؟”

توقفت.

لم تلتفت إلي، لكنها كانت تعرف أني أسمع.

أنا البحر.

أسمع كل شيء… حتى ما لا يقال.

قالت:

“ديستوبيا يا ماما؟

يعني أن تعيش في الجحيم…

وتقنع نفسك أنه طبيعي.”

ثم أكملت، كمن يشرح وصية من كتاب الغيب:

“الديستوبيا عكس اليوتوبيا.

اليوتوبيا هي العالم الذي نحلم به.

والديستوبيا؟

هي هذا العالم…

حين يبتسم فيه للقاتل،

وتحاسب فيه الأم على دموعها.”

سكت.

لكنه بدأ يسمعني.

أنا البحر،

وأعرف متى يرتجف الوعي لأول مرة.

ثم جاء “عاجل” على هاتفها:

أميركا تقصف إيران.

إسرائيل تهدد بالردع.

إيران تلوح بإغلاق مضيق هرمز.

واشنطن: الآن… وقت السلام.

ضحكت .

أنا الذي غسلت آلاف الجثث،

وأعرف تماما…

أن السلام لا يعلن بعد القصف،

بل بعد الاعتراف بالندم.

قالت له:

“إذا أغلق مضيق هرمز،

لن تمنع السفن فقط…

بل سيتوقف نبض العالم الصناعي.

وإذا سقط أول صاروخ على مفاعل،

فلن تعود اللعبة لعبة.

لأن من يملك الزر النووي…

يخاف أن يلمسه.”

ثم التفت إليها وقال:

“بس إسرائيل معها كل شي، قوية كتير، ماما.”

وهنا… وقفت أنا.

لأن ما قالته بعد ذلك،

كان ما خلقت لأسمعه.

قالت:

“كان فرعون أقوى من موسى،

وكان العالم معه…

لكن البحر… لم يكن.”

وأنا البحر…

ولم أكن.

لكن انتظر…

تظنون أنني فهمت الديستوبيا في إستبونا؟

لا.

أنا البحر.

وفهمتها منذ عقود…

عند صخرة على شاطئ صيدا.

كان صباحا.

ورأيت جنديا إسرائيليا يخلع خوذته،

ويركع على ركبتيه،

ثم يغسل يديه من دم طفل فلسطيني… بمائي.

لم يكن يغسل ذنبه.

كان فقط ينظف البندقية للطلقة التالية.

وهناك…

فهمت.

أن الديستوبيا ليست فقط في من يقتل،

بل في من يغسل الجريمة…

بما خلق ليطهر الأرواح.

فهمت أنني، أنا البحر،

لم أعد حضنا للغرقى،

بل أصبحت مغسلة للقتلة.

ومنذ ذلك اليوم…

أقسمت أن لا أنسى.

واليوم؟

ترعبهم إيران،

لأنها قد تملك نوويا.

لكن هل قلتم شيئا عن إسرائيل؟

إسرائيل؟

أنا أقولها لأن أحدا لا يجرؤ:

تملك ٩٠ رأسا نوويا.

٩٠ موتا معلبا في صحراء النقب.

٩٠ لعنة تحت رماد الوثائق.

ومع ذلك،

هي أكثر من يصرخ: “أنا مهددة!”

أكثر من يبكي أمام الكاميرا،

ويذرف دمعة على منصة الأمم…

ويده على الزر.

تخاف من طهران،

من بيروت،

من صاروخ محلي الصنع،

من صيحة “القدس لنا”،

من قبلة على جبين شهيد.

تملك الرعب،

وتخاف الحلم.

تريد أن تبقى الوحيدة التي تملك “حق الخوف”،

وأن يحترق الكوكب كله…

إذا تجرأ أحد على أن ينام مطمئنا.

أنا البحر.

وأعرف…

أن من يملك كل هذا النووي،

ويخاف من وردة،

ليس قويا،

بل مذعورا من انكشافه.

من يقتل ويصرخ…

ليس ضحية.

بل جثة مؤجلة.

وفي الليل،

سمعتها تكتب.

هالة.

لم تكن تكتب مقالا،

كانت تشهدني أنا، البحر،

أنها قالت الحقيقة.

لعلي يوما،

حين تفتح السجلات،

أقول:

“قالتها امرأة على كورنيش إستبونا…

وكان البحر حاضرا.”

وفي الشرفة،

نظرت إليه وهو نائم.

لمست جبينه،

وهمست:

“يا رب…

لا تره هذا الخراب دفعة واحدة.

قسمه عليه كالموج…

وازرع في قلبه نورا…

يكفيه ليكتبني،

حين أنتهي.”

أنا البحر.

لم أكن مع فرعون…

ولا مع إسرائيل.

ولا مع من يظن أن الخوف… يصنع في المختبر.

أنا مع من لا صوت له.

ولا ذاكرة له… سواي.

أنا البحر.

ولا أسامح و لا أنسى.

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازيإستبونا، ٢٣-٦- ٢٠٢٥