
كنت أقلب ألبوم الصور القديمة،
لا أبحث عن الماضي،
بل عني… حين كنت أبسط، أنقى، أكثر دهشة.
رأيت صورا لأولادي وهم أصغر،
ولنفس وجهي في أعمار مختلفة،
ثم وقفت عند صورة.
يوم زفافي.
أنا بثوب أبيض، أضحك كما لا يضحك إلا من لم يعرف بعد ما الذي تأخذه الحياة أو حتى ما معنى الفقد.
وعلى يميني… جلس هو.
الجد أبو الوليد.
بالحطة البيضاء،
والعقال الأسود،
والعباءة المطرزة التي تشبه مقاما صغيرا يمشي على الأرض.
وجهه ساكن،
وفيه غمازة صغيرة،
كأن الله وضعها هناك ليقول:
“حتى الجبال تحتاج إلى ما يحننها.”
باركني كأنني حفيدته،
وأحبني كأنني منه.
لم يكن كثير الكلام،
لكن حضوره كان صلاة بلا أذان،
وحماية بلا جدار.
رحمه الله رحمة واسعة،
وجزاه عن سكونه الذي أراحنا أكثر مما أرهقنا…
جنة، تفتح له كما فتح لنا باب الأصنصير.
في اليوم التالي،
كنت في عيادة بكندا.
المكان بارد،
أبيض،
وصامت كأنه يؤجل الكلام إلى أجل غير مسمى.
جدرانه نظيفة بشكل مبالغ،
الضوء الفلوروسنت يقطع الفراغ مثل سيف بلا لون،
وصوت جهاز التكييف يهمس بثبات…
كأنه يعتذر عن وجوده.
على الجدران… ملصقات لمواعيد التطعيم والفحوصات،
وفي الهواء… رائحة معقمة لا تشبه البيوت.
انفتح باب الأصنصير…
وخرج منه رجل على كرسي متحرك،
تدفعه امرأة لا تجره فقط،
بل ترفعه بعينين أطفأهما التعب…
لكنهما ما زالتا تشعان محبة لا تخجلها الشيخوخة.
كان شعرها رماديا،
وركبته مرتجفة،
لكن يديهما بقيتا متشابكتين…
كأن الزمن حاول أن يفرقهما،
فأجاباه بالصمت: “نحن أوفى من النسيان.”
لم يتكلما.
لكن العالم كله كان يمكن أن يسمع:
أن الحب لا يحتاج صوتا،
بل وفاء يلتصق بالعظم،
ويرتل في داخله: “لن أتركك… ولو صرت ظلك فقط.”
ثم ركبت الأصنصير وحدي،
وضغطت الزر.
لكنني لم أصعد.
بل نزلت…
إلى داخلي.
وفي تلك اللحظة،
عادني الله إلى عرفات.
وجدت نفسي وسط الزحام،
أردد
مع الجميع ‘لبيك’،
لكن قلبي كان يقولها وحده… بطريقة لا يسمعها سواك.
ملايين الحناجر تهتف:
“لبيك اللهم لبيك.”
لكن كل واحد منهم… كان يهمس من داخله:
“يا رب… هل رأيتني؟
أنا لست الأنقى،
ولا الأعلى صوتا،
لكنني أتيت.
أتيت من شتاتي،
من خوفي،
من كسر لم أجد له جبيرة.
فلا تغفلني في الزحام.”
كان الحج يومها…
صلاة بلا لغة،
وبطاقة مفتوحة لقلب يبحث عن الله لا عن الجنة.
وكنت أقول في سري:
“أنا لم آت مستحقة،
بل محبة.
فاقبلني كما أنا.”
وحين أغلق باب الأصنصير،
شعرت بالرجفة نفسها.
كأن الله قال لي:
“نعم… رأيتك.”
ثم تذكرت دمشق.
الستينات.
الجد أبو الوليد كان يروي دائما،
بنفس الدهشة التي لم يذبلها الزمن:
“دخلت غرفة حديد،
سكرت الباب،
ما مشيت،
بس لقيت حالي بطابق تاني!”
لم يكن يحكي عن أصنصير،
بل عن لحظة دهشة…
بابا لم يكن في الحائط،
بل في القلب.
علمني أبو الوليد أن الله لا يرى بالعيون،
بل بالدهشة التي لا يمكن كتمها.
وأن الذي فقد انبهاره…
فقد طريقه، ولو حفظ كل الدعاء.
في كندا،
الأصنصير موجود…
لكن لا نستخدمه كثيرا.
الأرض مسطحة،
والمدن متسعة،
ولا شيء يجبرك على الارتفاع.
لكن في تلك العيادة،
صعدت من زر صغير…
إلى عمق كبير.
خرجت من الأصنصير،
ومشيت نحو غرفة الانتظار،
فوقفت عند قارمة معلقة على الجدار:
“Being happy doesn’t mean everything’s perfect.
It means you decide to see beyond the imperfections.”
وقفت.
كأن أحدا كتبها لي وحدي.
في تلك اللحظة…
وفي تلك الزاوية المهملة من الوجود.
فهمت أن السعادة ليست في اكتمال الشيء،
بل في رؤيته ناقصا… ثم شكره رغم ذلك.
وبينما كانت كل تلك الصور تهتز في داخلي،
قررت أن أشتري لابنتي الصغيرة لعبة للعيد.
مجرد لعبة بسيطة،
تطلق فقاعات صابون في الهواء.
لكن حين رأتها تعمل،
توسعت عيناها بدهشة طاهرة،
كأن هذا هو أول يوم في الخلق.
ضحكت،
ركضت،
رفعت يدها نحو الفقاعات،
وفي عينيها…
كان يسكن معنى الخلق.
الحمد لله.
لكن بهمس خاشع،
كمن يشكر الله… وفي قلبه غزة.
في غزة،
هناك أم لم تشتر لعبة،
بل غسلت وجه طفلها…
وسلمته إلى الله دون أن تقبله.
هناك أصنصير لا يصعد بهم،
ولا يفتح لهم بابا،
إلا باب الله.
منذ تحولت القبلة،
والقلب في كل صلاة… يلتفت سرا نحو القدس،
كمن يصلي في العلن، ويحب في السر.
اللهم…
كن معهم كما لا نستطيع.
واكتب لشكرنا أن يكون ستارا على عجزنا،
لا عنوانا لترفنا.
بعد نفر الحجاج من عرفات،
كانت أمي، أطال الله في عمرها،
تبدأ بخبز الكعك في سكون يشبه الدعاء.
لا ترفع صوتها،
لكن رائحة اليانسون كانت تنادي علينا…
كأنها تذكرنا أن للبيت قلبا،
وأن هذا القلب… أنثى تصنع من السميد ذاكرة.
أما أبي، رحمه الله،
فكان يشغل “يا ليلة العيد آنستينا”
بصوت أم كلثوم… لا ليعلن العيد،
بل كمن يربت على أكتافنا ويقول:
“أفرحوا… في الدنيا شيء يستحق.”
كان وجهه ساكنا…
لكن في عينيه تكبيرات،
وفي ابتسامته… وطن لا ينفى.
الحمد لله.
على أب كان صوته صلاة كاملة.
وعلى أم صاغت العيد من قمح وسكينة و علمتنا أن الحب يخبز.
وعلى طفلة تعيد إلي الإيمان كلما طاردت فقاقيع الصابون.
الحمد لله.
على كل شيء لم أطلبه… لكنه أتى،
وعلى كل شيء خفت أن أفقده… وما زال.
وعلى كل ما فقد…
وما زال يحرسني من حيث لا أراه.
الحمد لله.
على وجود الله… حين غاب كل شيء.
اللهم…
اجعل لمن يقرأ هذه الكلمات عيدا في قلبه،
وإن غابت عنه الأسباب.
اجعل له دفئا،
ولو لم يضمه أحد.
اجعل له يدا تمسك به،
ولو كان كل شيء حوله يفلت.
اجعل له قارمة صغيرة…
توقظه من غفلته.
واصنصيرا لا يصعده إلى الأعلى،
بل ينزل رأسه لك… خاشعا، دامعا، محبا.
كل عام وأنتم بخير.
وإن لم يكن في البيت من يكبر غيرك،
فكن أنت التكبيرة.
وكن أنت الرجفة.
وكن أنت الذكرى… التي سيبكي أحدهم غدا حين يتذكرها.
لأن من لم يبك وهو يركب أصنصيرا دون صوت،
ولم يشتق وهو يسمع “يا ليلة العيد” من الغياب،
ولم يرتعش قلبه حين يرى ابنته تطارد النور في فقاعة صابون…
فربما عبر الحياة… دون أن يلتقي بنفسه.
ودون أن يلمح الله وهو يمر خفيفا… في التفاصيل.
لأننا لا نحتاج أن نصل إلى السماء… كي نرى الله.
نحتاج فقط أن ننزل قليلا… إلى أعماقنا.
دمتم بخير