
العاصفة ليست مجرد ريح ومطر. العاصفة اختبار، محك لكل ما نظنه صلبا. هناك من ينهار أمامها، وهناك من يعبرها دون أن يلتفت للخلف. الفرق ليس في قوة الرياح، بل في قوة الاستعداد لها.
في مطار عمان، كنت أقف بين المسافرين، أراقب شاشة المغادرة كأنني أتفحص مصيري القادم. هونغ كونغ كانت الوجهة، معرض المجوهرات العالمي كان الغاية، لكن كما هي العادة، الرحلات لا تأخذنا فقط إلى وجهات جغرافية، بل إلى أبعاد جديدة من الإدراك، تخلخل مفاهيمنا، تجعلنا نرى ما كنا نظنه مألوفا من زاوية لم نختبرها من قبل.
كنت أذهب لأرى المجوهرات، لكنني كنت على وشك رؤية كيف تصنع الحياة. لم أكن أعلم أن الرحلة لن تكون مجرد انتقال عبر الجغرافيا، بل زلزالا في إدراكي، في رؤيتي للعالم، في رؤيتي لنفسي.
حين وصلت، كانت المدينة تستقبلني كما لو كانت تعرفني منذ زمن. ترتدي ناطحات السحاب كأنها جزء من جلدها، تتنفس الإضاءة، تمشي بخطى محسوبة، لا تتوقف، لا ترتبك، لا تتعثر. دخلت الفندق، ألقيت بجسدي على السرير بعد ساعات الطيران الطويلة، وما إن نظرت حولي حتى رأيت الورقة البيضاء موضوعة على السرير بجانب الوسادة:
“تحذير: تايفون قادم. نرجو اتباع التعليمات المرفقة.”
تايفون؟ أعدت قراءة الجملة مرتين، ثم التقطت هاتفي أبحث عن معنى الكلمة. وجدت مقاطع فيديو لمدن تغرق تحت أمواج جامحة، لأشجار تقتلع كأنها أعشاب برية، لمبان تنحني للحظة قبل أن تستعيد وقفتها كأنها تؤدي سجودا سريعا أمام قوة الطبيعة.
لكن لم يكن هناك صراخ. لم تكن هناك نشرات إخبارية مذعورة، لم تكن المدينة تتنفس هلعا كما نفعل نحن كلما هطلت أمطار غزيرة. فقط استعداد صامت، هدوء مخيف، ثقة تشبه اليقين.
في بلادي، منخفض جوي بسيط يكفي ليعلن الإعلام حالة الطوارئ، تغلق المدارس قبل أن تسقط أول قطرة، تفيض الشوارع وكأن أحدا لم يفكر في تنظيف المصارف، وتفرغ رفوف المتاجر وكأننا على وشك نهاية العالم. الفرق لم يكن في العاصفة، بل في العقول التي تستقبلها.
أما هنا؟ في الخارج، كان الإعصار يعصف، في الداخل، كانت الألماسات تتلألأ تحت الأضواء، العقود تباع، الصفقات تعقد، وكأن الطبيعة كانت تهدد كوكبا آخر، في زمن آخر.
حينها، فهمت الدرس الأول: العواصف لا تهز من يعرف كيف يواجهها.
الثلج الذي فضح الجميع
كندا، صباح شتوي قارس. الشمس معلقة في السماء مثل مصباح خافت، لا تمنح الدفء، لا تمنح شيئا سوى الوهم.
كنت أقود سيارتي ببطء فوق الطريق الأبيض، أحاول تفادي الفخاخ الجليدية، لكن الحذر وحده لم يكن كافيا. لحظة واحدة، وانزلقت. شعرت بالسيارة تهتز، ثم تتوقف فجأة بزاوية غريبة. خرجت لأجدها عالقة من بطنها فوق جبل جليدي صغير، عجلاتها تدور في الهواء، بلا قوة، بلا معنى.
حاولت الدفع، الرجوع، التقدم، لكن لا شيء تحرك سوى شعوري المتزايد بالعجز. جربت كل شيء، رفعت صوتي بالغضب، دفعت بكل قوتي، لكن لا فائدة. البرد كان قاسيا، درجة الحرارة وصلت إلى -27، الهواء كان يلسع وجهي كأنني في مواجهة سكين غير مرئي.
ثم، انفتح باب المنزل المجاور.
خرج جاري الصيني، رجل في منتصف الخمسينات، يرتدي معطفا سميكا وقفازات سوداء، خلفه زوجته تمشي بخطوات سريعة، تحمل مجرفة صغيرة كأنها تعرف مهمتها جيدا. لم يسألاني إن كنت بحاجة للمساعدة، لم يقفا للحظة ليتبادلا نظرة استئذان، لم تكن هناك أي أسئلة، فقط فعل.
بدأ الرجل يحفر الثلج تحت السيارة، يضع الملح، يدفع بيديه، بينما زوجته تنظف المكان حوله، تعمل بصمت، دون شكوى، دون محاولة إثبات أي شيء. كان الأمر يبدو كما لو أنهما يعتمدان على بعضهما منذ الأزل، كأنهما شريكان في كل شيء، حتى في مواجهة الطبيعة القاسية.
كل بضع دقائق، كان يلتفت إليها ليتأكد أنها بخير، وكانت ترد عليه بنظرة صامتة، محملة بكل الكلمات التي لم تقلها. لم يكن بينهما استعراض للحب. لا “شكرا حبيبي”، لا “حبيبتي دير بالك”، لا جمل محفوظة لإظهار الود أمام الآخرين. لم يكونا بحاجة إلى إثبات أي شيء، فالحب كان في الفعل، في التعاون، في هذه الشراكة الهادئة التي لم تحتج إلى كلمات.
بعد عشرين دقيقة من الحفر والتخطيط، قال جاري جملة واحدة فقط:
“جربي الآن.”
ركبت السيارة، وضغطت على دواسة البنزين بحذر، فتحركت السيارة كأنها لم تكن عالقة منذ نصف ساعة.
قفز قلبي من الفرحة، استدرت إليهما، وقلت بانفعال:
“شكرا لكم! لا أعرف ماذا كنت سأفعل بدونكم!”
لكن لم يكن هناك انتظار لكلماتي.
زوجته كانت قد بدأت تعود إلى الداخل، تحركت كأن الأمر لم يكن يستحق كل هذا الامتنان، كأن المساعدة كانت بديهية، كأنها ليست معروفا بل جزءا من طبيعة الأشياء.
أما جاري، فقد رفع يده بإشارة خفيفة، كأنه يخبرني أن الأمر لم يكن بحاجة إلى شكر، ثم مشى عائدا إلى بيته، دون أن ينظر خلفه.
أما جاري الآخر، الرجل الذي يحمل ملامحي، الذي يتحدث لغتي؟ فقد مر بسيارته، لم يخفف سرعته، لم ينظر إلي، لم يتوقف للحظة، كأنني لم أكن موجودة أصلا. لم يكن عابرا فقط، كان غريبا، لا يرى، لا يسمع، لا يعنيه شيء خارج عالمه الصغير.
حينها فقط، فهمت الدرس الثاني: ليس كل من يشبهك… يشبهك.
حين كشف الأطفال الحقيقة
في ذلك المساء، عاد ابني من مسابقة رواد الأعمال اليافعين، متحمسا كأنه عاد من عالم آخر. جلس أمامي، بدأ يروي لي تفاصيل اليوم بحماس لم أعهده فيه.
“ماما، الأولاد الصينيين كانوا شيء مختلف!”
كان يتحدث عنهم بانبهار، عن دقة تنظيمهم، عن أنهم درسوا كل شيء، عن أن حتى طريقة تقديمهم لأفكارهم كانت مدروسة، محسوبة، لا مكان فيها للصدفة. كان يرى فيهم ما لم يره في زملائه الآخرين، حتى في نفسه.
حتى أصدقاؤه في المدرسة، أولئك الذين من أصول صينية، كل شيء في حياتهم يسير وفق خطة واضحة. يتعلمون لغات، يمارسون الرياضة، يعزفون آلات موسيقية، يطورون مهاراتهم، لا شيء عندهم متروك للصدفة، لا وقت يهدر بلا فائدة، كأن حياتهم كلها مشروع متكامل، بينما نحن نترك أطفالنا ليكبروا بلا خريطة، بلا هدف، بلا فكرة واضحة عن العالم الذي ينتظرهم.
“ليه إحنا ما بنتعلم منهم يا ماما؟” سألني ابني.
كنت أريد أن أجيبه، لكنني كنت عاجزة عن ذلك.
كيف أشرح له أننا نضحك على عبارة “صنع في الصين”، بينما كل شيء هناك مصنوع بإتقان؟
كيف أشرح له أننا نسخر من بضائعهم، بينما نحن لم نتعلم حتى كيف نصنع أنفسنا؟
الحقيقة التي لا نريد الاعتراف بها
نحن لا نسخر من عبارة “صنع في الصين” لأنها تعني الرداءة.
بل لأننا نكره أن نرى ما لم نستطع تحقيقه.
نكره أن نرى أنهم يستعدون لكل عاصفة قبل أن تبدأ، بينما نحن ننتظرها حتى تضرب، ثم نصرخ طالبين النجاة.
نكره أن نرى أنهم يعيشون بالتخطيط، بينما نعيش نحن بالانتظار.
نكره أن نرى أن علاقاتهم قائمة على الشراكة، بينما نعيش نحن في زواج تحول إلى قيد، حيث الرجل متسلط دون مسؤولية، والمرأة تشتكي دون فعل، والاثنان عالقان في زواج لم يعد يعرف الحب، فقط يعرف الاعتماد القسري.
نكره أن نرى أن عالمهم مصنوع، بينما عالمنا مستهلك.
لكن أسوأ ما في الأمر؟
أننا نعلم ذلك.
ومع ذلك، نعيش وكأننا لا نعلم.
نضحك.
نسخر.
نصنع النكات.
ثم نعود إلى حياتنا، ننتظر العاصفة القادمة.